الفوارق الفردية وتأثيرها على التحصيل العلمي

إن العملية التعليمية كما تمت الإشارة إلى ذلك في مقالات سابقة هي سلسلسة مترابطة تبتدأ من الأسرة لتمتد إلى المدرسة ولا تنتهي بأي حال من الأحوال إلى المجتمع ، ولهذا وحتى تكتمل هذه السلسلة ، ويتحقق شرط الترابط بينها وجب التأكيد على أن كل مساهم في هذه العملية له دور كبير في نجاحها أو فشلها ، ولا تفوتنا المناسبة -والمناسبة شرط – كما يقول الفقهاء دون أن نشير إلى الدور المحوري الذي تلعبه المدرسة والمدرس بشكل خاص في بلورة وإنتاج العلم والمعرفة لدى التلميذ ، حيث يمكننا اعتبار المدرس النبراس الذي يستنير به التلميذ في عتمة تحصيله العلمي ، وحيث أن التلاميذ أنواع وأشكال ، وهناك الكثير من الفوارق الفردية بينهم ، هذه الفوارق التي لها دور كبير في التحصيل العلمي ، إما سلبا أو إيجابا ، وجب على المدرس استحضار هذا المعطى ، وأخذه بعين الإعتبار في العملية التعلمية ؛ إذن كيف تكون الفوارق الفردية عامل تأثير على التحصيل العلمي .

إن الفوارق الفردية هي ظاهرة عامة تنتشر بين جميع الكائنات بدون استناء ، بل حتى بين أفراد النوع الواحد هناك اختلافات وتباينات ، فلا وجود لتطابق أو تشابه بين شخصين ، وفي العملية التعليمية يلاحظ أن تلاميذ الفصل الواحد مثلا رغم تقاربهم في السن ، إلا أن هناك اختلافات جوهرية بينهم ؛ إن على مستوى الصفات الذهنية : كالذكاء أو النباهة ، أو الغباء ، أو على مستوى الصفات البدنية : كالطول والوزن والقامة ، وهذه الإختلافات تبدو جلية وتستوجب من المدرس أخذها بعين الإعتبار ، حيث أن التمايز والإختلاف بين الأفراد ضرورة وهو ما يعطي للحياة معنى ، فالفوارق الفردية ذات أهمية بالغة في العملية التعليمية برمتها ومعرفتها من طرف المدرسين تعتبر ضرورة ، فهي تمكن المدرس من التعرف عن كثب عن الطاقات الكامنة في كل فرد عن حدة والتعامل معها وفق ما تتطلبه العملية التعليمية ، والبيداغوجية ، ونستحضر كذلك في خضم الحديث عن الفوارق الفردية وأثرها على التحصيل العلمي ، العوامل الوراثية ، التي بدورها لها تأثير كبير على الأمد البعيد على أداء التلميذ الدراسي ، ليس على ذكاءه فحسب بل تتعداه إلى مستوى الجينات حيث يكون الإختلاف كبيرا بين الأطفال من حيث مستواهم الدراسي والمعرفي ، فهناك فوارق في أنماط التطور الذهني والعاطفي والإجتماعي ، تتفاوت من شخص لآخر ، مما ينعكس على المعارف والمهارات التي يكتسبها المتعلمون ، حيث يكون اكتسابها متبباينا بينهم.

كيف تؤثر الفوارق الفردية على التحصيل العلمي

تشكل الفوارق الفردية سواء كانت بسيطة أو معقدة ، هاجسا لدى المدرس الذي يكون شغله الشاغل هو توليد المعرفة والمهارات الذاتية لكل تلميذ ، حيث يعتبر المدرس المسؤول الأول والأخير عن كل تلميذ داخل الفصل ، وتطرح إشكالية الفوارق الفردية نفسها بقوة كمعضلة تؤرق بال المربيين والمدرسين على حد سواء ، باعتبارها تحدي يلزمهم إعادة النظر في جوهر ديداكتيك سلوكاتهم المهنية ، حيث أن النمط التربوي الذي يأخذ بعين الإعتبار الفوارق الفردية يتغي الوصول إلى الإستقلالية العاطفية والذهنية والإجتماعية ، لدى المتعلم بدرجة أولى ، والتخلي عن أشكال التعبئة.

أهم الفوارق الفردية

يتفاوت التلاميذ في تحصيلهم الدراسي ، فنجد المجتهد والكسول ، وتكون استفادة بعضهم كبيرة ، والبعض الآخر محدودة ، حيث تنبري الفوارق الفردية بين التلاميذ كقوة فاعلة في عملية التحصيل العلمي وفي العملية التربوية برمتها ، وفي مقدمة هذه الفوارق نجد ما يمكن أن ننسبه إلى التلميذ نفسه ، وما يمكن أن ننسبه إلى المدرس.

ما ينسب إلى التلميذ نفسه

حيث اختلاف نسب الذكاء بين التلاميذ من مرتفع إلى متوسط ، والقدرة على التفكير والفهم ، وكذلك الحالة النفسية للتلميذ ، فالتلميذ الذي يعاني مرضا معينا تقل نشاطاته بغض النظر عن ذكائه ، كما أن نفسية التلميذ تؤثر على درجة تحصيله الدراسي .

ماينسب إلى المدرس

وفي المقابل نجد عوامل خارجية تنسب إلى المدرس الذي وبدون شك يلعب دورا محوريا وأساسيا في إذكاء هذه الفوارق الفردية التي تكون بين التلاميذ ، فالمدرس الذي يتمتع بقدرة على الإبداع وتبسيط طرق التدريس وإيصال المغزى من الدرس بأي شكل من الأشكال إلى المتعلم ، حيث أن طرق التدريس خصوصا التقليدية منها لا تتناسب وبعض المتعلمين ، كما أن المدرس الذي يتمتع بقدر كبير على استخدام الحوافز النفسية المناسبة كنوع من التأثير على المتعلم ، يكون أقرب إلى نفسية التلاميذ من المدرس الجاف ، الذي يعتمد طرق تدريس بدائية ، أو تقليدية ، فعقول الناس تتفاوت فيما بينها ، لذا وجب على المدرس الإجتهاد في سبر الفوارق بين تلاميذته ، بل أن العقل الواحد أحيانا يكون عاجزا عن إدراك المعرفة والحقيقة ، فهو قاصر عن إدراك أمور كالتوحيد حقائق الذات الإنسانية مثلا كما يذهب إلى ذلك المفكر الفذ ابن خلدون في “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر “.

الذي يعتبر بحق باكورة عمل فكري فريد لمفكر عربي فذ استشرف البدايات الأولى للحضارة الغربية في العصر الوسيط ، وأفول الحضارة العربية الإسلامية ، يقول ابن خلدون وهو يعجز العقل البشري في إدراك كنه الإنسان لذاته ، فالعقل حسب ابن خلدون ” ميزان صحيح وأحكامه يقينية لا كذب فيها ، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة ، وحقائق الصفات الإلاهية ، وكل ما وراء طوره ، فإن ذلك طمع في محال ، ومثال ذلك مثال رجل رآى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال ، والمساوات بين العقول طمع في محال “.

لذا وجب على المدرس التعامل مع عقول التلاميذ كل على حدة ، حيث أن نفسية التلميذ تتغير من تلميذ لآخر ، وقد أدرك الفلاسفة والمفكرين منذ القدم وجود فروقات بين الناس حيث قال أحدهم : إن الإنسان على نحو ما يشبه كل الناس ، وعلى نحو آخر يشبه بعض الناس ، وعلى نحو ثالث لا يشبه أحدا من الناس ، وذهب أفلاطون إلى أن الناس ثلاث طبقات معتمدا على درجة تميز وسيطرة إحدى قوى النفس الثلاث ( العقل ، الغضب ، الشهوة ) على باقي القوى حيث إن سيطرت القوة العاقلة تفرز لنا طبقة الحكماء والفلاسفة والعلماء ، أما في حالة إذا ما سيطرت القوة الغاضبة فإنها تفرز لنا الجنود والحرس ، أما في حالة إذا ما سيطرت قوة الشهوة فيصبح الفرد من الرعاع وطبقة العامة.

وحتى تتحقق أثمى غايات وأهداف العملية التعلمية التي تعتبر الفوارق الفردية من الناحية التعليمية ذات أهمية كبيرة ومحورية في سيرورتها ، وحتى يتم إعداد الفرد داخل المجتمع إعدادا صالحا وبناء يجب:

  • القطع مع نظم التعليم البدائية ومراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ ، وعدم الزج بهم في منافسات غير متكافئة يترتب عنها العجز والإحباط والدونية نتيجة التفاوت في العمر أو الخبرة أو المهارة
  • مراعاة الأسرة باعتبارها الركيزة الأولى في العملية التعليمية للفروقات بين الأولاد ، والعمل على تقديم الإرشاد والمساعدة في إنجاز القرارات .
  • مساعدة الولد المتأخر دراسيا على استدراك ما فاته وذلك عن طريق إنماء مفهوم واقعي للذات .
  • نسج علاقات طيبة من طرف المدرس مع تلامذته والتي من شأنها مساعدتهم على تنمية أساليب إيجابية في مواجهة المواقف الصعبة
  • منح فرص للتلاميذ وذلك من أجل التدرب على المناقشة وإبداء الرأي وتقبل الآخر.

يتضح جليا كيف أن الفوارق الفردية لها دور كبير في التأثير على التحصيل العلمي لدى التلاميذ ، وحيث أن الأمل معقود على الشباب وطلبة العلم ، في مجابهة التحديات التي تواجههم في شتى جوانب الحياة ، وذلك بالإستفادة إيجابيا من الثورة التكنولوجية الهائلة التي حدثت في العشرية الأولى  والثانية من القرن الحالي ، وجب العمل وبجد من أجل الرفع من عزائمهم ، ورغباتهم حتى تحقيق الطموحات التي يصبوا إليها المجتمع باعتبار الشباب ركيزته الأولى على درب الرقي والإزدهار.

بيداغوجية الدعم

حميد أبو قصيAuthor posts

الشعر والكتابة ديدني منذ اول عهد لي بالكلمة..كانت اجمل بداية تلك التي كانت رفقة قرطاس وقلم يذغذغ احاسيس الوجد المترامية على شاطئ الكتابة الممتع ..هو شغف جميل ،وسكولمي أحيت هذا العشق في أعماقي والرغبة الجامحة في معانقة الكلمة، بعد ان تهت بين تجاذبات الحياة ودهاليزها التي ابعدتني ردحا من الزمن عن ممارسة الرقص مع الكلمات....

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

نشرة الأخبار 
إنخرط الآن

قبل أن تذهب, نريدك أن تنخرط في لائحة الأخبار. لماذا؟

أحصل على تخفيضات خاصة, دروس مجانية, كتب إلكترونية و العديد من المزايا الخاصة بالمنخرطين
close-link
إنخرط
أحصل على 10 في المائة تخفيض بانخراطك
قم بتغيير حياتك المعرفية معنا
إنخرط اليوم

الدردشة المجانية

www.chat.scholme.com
تواصل مع طلبة من جميع أنحاء العالم. دردشة مجانية مفتوحة لتتشارك أفكارك و معارفك و تتعرف على طلاب عالميين و محليين
إبدأ الدردشة الآن
chat.scholme.com
close-link
Click Me